محمد بن جرير الطبري
6
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وفي قوم نوح لهم أيضا عبرة ، إذ أهلكناهم من قبل ثمود لما كذبوا رسولنا نوحا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ يقول : إنهم كانوا مخالفين أمر الله ، خارجين عن طاعته . القول في تأويل قوله تعالى : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ . . . الْماهِدُونَ يقول تعالى ذكره : والسماء رفعناها سقفا بقوة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ يقول : بقوة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : بِأَيْدٍ قال : بقوة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ أي بقوة . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن منصور أنه قال في هذه الآية : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ قال : بقوة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ قال : بقوة . حدثنا يونس قال أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ قال : بقوة بشدة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ قال : بقوة . وقوله : وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ يقول : لذو سعة بخلقها وخلق ما شئنا أن نخلقه وقدرة عليه . ومنه قوله : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ يراد به القوي . وقال ابن زيد في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ قال : أوسعها جل جلاله . وقوله : وَالْأَرْضَ فَرَشْناها يقول تعالى ذكره : والأرض جعلناها فراشا للخلق فَنِعْمَ الْماهِدُونَ يقول : فنعم الماهدون لهم نحن . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يقول تعالى ذكره : وخلقنا من كل شيء خلقنا زوجين ، وترك خلقنا الأولى استغناء بدلالة الكلام عليها . واختلف في معنى خَلَقْنا زَوْجَيْنِ فقال بعضهم : عنى به : ومن كل شيء خلقنا نوعين مختلفين كالشقاء والسعادة والهدى والضلالة ، ونحو ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا ابن جريج ، قال : قال مجاهد ، في قوله : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ قال : الكفر والإيمان ، والشقاوة والسعادة ، والهدى والضلالة ، والليل والنهار ، والسماء والأرض ، والإنس والجن . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا إبراهيم بن أبي الوزير ، قال : ثنا مروان بن معاوية الفزاري ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن ، في قوله : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ قال : الشمس والقمر . وقال آخرون : عنى بالزوجين : الذكر والأنثى . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ قال : ذكرا وأنثى ، ذاك الزوجان ، وقرأ وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ قال : امرأته . وأولى القولين في ذلك قول مجاهد ، وهو أن الله تبارك وتعالى ، خلق لكل ما خلق من خلقه ثانيا له مخالفا في معناه ، فكل واحد منهما زوج للآخر ، ولذلك قيل : خلقنا زوجين . وإنما نبه جل ثناؤه بذلك من قوله على قدرته على خلق ما يشاء خلقه من شيء ، وأنه ليس كالأشياء التي شأنها فعل نوع واحد دون خلافه ، إذ كل ما صفته فعل نوع واحد دون ما عداه كالنار التي شأنها التسخين ، ولا تصلح للتبريد ، وكالثلج الذي شأنه التبريد ، ولا يصلح للتسخين ، فلا يجوز أن يوصف بالكمال ، وإنما كمال المدح للقادر على فعل كل ما شاء فعله من الأشياء المختلفة والمتفقة . وقوله : لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يقول : لتذكروا وتعتبروا بذلك ، فتعلموا أيها المشركون بالله أن ربكم الذي يستوجب عليكم العبادة هو الذي يقدر على خلق الشيء وخلافه ، وابتداع زوجين من كل شيء لا ما لا يقدر على ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ . . . مِنْهُ